انتهت الحرب وبقي الغبار: إرث اليورانيوم المنضب في العراق بعد 35 عاماً
أُطلق في العراق أكثر من 400 طن من اليورانيوم المنضب خلال حربين. وتبع ذلك مئات المواقع الملوثة، وساحات خردة مليئة بالمعدن المشع، ومعركة علمية حادة حول التشوهات الخلقية في الفلوجة والبصرة. ما الذي تُظهره الأدلة وما الذي لا تُظهره، ولماذا يعود السؤال اليوم بينما تُستخدم الذخيرة نفسها في حروب جديدة.
الإجابة المختصرة
لم يُثبت ذلك ولم يُستبعد. أُطلق في العراق عامي 1991 و2003 أكثر من 400 طن من اليورانيوم المنضب، وحددت السلطات العراقية بحلول 2006 ما بين 300 و365 موقعاً ملوثاً، معظمها حول البصرة. وأفادت دراسات في الفلوجة بمعدلات مرتفعة من التشوهات الخلقية والسرطان، لكن مناهجها طُعن فيها، ولم يجد مسح أجرته وزارة الصحة العراقية ومنظمة الصحة العالمية عام 2013 دليلاً واضحاً على زيادة. ولم تُنشر البيانات الكاملة قط.
في ربيع 1991 تحوّل الطريق من مدينة الكويت إلى البصرة إلى مقبرة من المعدن. دبابات وشاحنات وسيارات مسروقة احترقت على امتداد كيلومترات، وصُوّرت من كل زاوية وعُرضت على كل شاشات العالم. ما لم تستطع الكاميرات إظهاره هو الغبار. فكثير من ذلك الحطام اخترقه نوع جديد من الذخيرة، صُنع من نفايات الصناعة النووية: اليورانيوم المنضب.
بعد خمسة وثلاثين عاماً وحربين، لا يزال العراق يعيش مع ذلك الغبار. والسؤال الذي يطرحه عاد ملحّاً، لأن الذخيرة نفسها أُرسلت منذ ذلك الحين إلى أوكرانيا، وتُخاض حروب جديدة في الشرق الأوسط بأسلحة لا أحد يقيس أثرها البعيد.
هل تسبب اليورانيوم المنضب في السرطان والتشوهات الخلقية في العراق؟
الجواب الصادق أنه لم يُثبت ولم يُستبعد. الثابت هو حجم الاستخدام وحجم التلوث. فقد أُطلق في العراق عامي 1991 و2003 أكثر من 400 طن من ذخائر اليورانيوم المنضب، معظمها من القوات الأمريكية، وتقول بريطانيا إنها أطلقت أقل من ثلاثة أطنان. وبحلول 2006 كان مركز الوقاية من الإشعاع العراقي قد حدد ما بين 300 و365 موقعاً ملوثاً، معظمها في منطقة البصرة، وفق منظمة السلام الهولندية PAX، التي لا يزال تقريرها In a State of Uncertainty أكثر الروايات العلنية تفصيلاً. أما ما فعله هذا التلوث بالناس فلا يزال موضع خلاف.
اليورانيوم المنضب هو ما يتبقى بعد تخصيب اليورانيوم الطبيعي للمفاعلات والقنابل. وهو أقل إشعاعاً من اليورانيوم الطبيعي بنحو 40 في المئة، لكنه شديد الكثافة، يقارب ضعف وزن الرصاص، ويشحذ نفسه وهو يخترق الدروع. كما أنه يحترق. فعند الاصطدام يتحول جزء من القذيفة إلى رذاذ دقيق من أكاسيد اليورانيوم يمكن استنشاقه، ويستقر على الأرض وتحمله الرياح. وقد شرحت Legal Smart بالتفصيل ما يحدث في لحظة الاصطدام.

الأرقام وراء الغبار
| اليورانيوم المنضب في العراق | |
|---|---|
| ما أُطلق عامي 1991 و2003 (تقدير) | أكثر من 400 طن |
| ما أطلقته القوات البريطانية (رقم بريطاني) | أقل من 3 أطنان |
| المواقع الملوثة المحددة حتى 2006 | 300 إلى 365، معظمها قرب البصرة |
| الكلفة التقديرية لتنظيف الموقع الواحد | 100 ألف إلى 150 ألف دولار |
| الحد الأدنى لتقدير التنظيف الكلي | نحو 30 مليون دولار |
| تصويت الأمم المتحدة، ديسمبر 2024 | 152 مؤيداً، 4 معارضين، 30 ممتنعاً |
المصادر: PAX، In a State of Uncertainty؛ مركز الوقاية من الإشعاع العراقي عبر PAX؛ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 79/49.
الفلوجة والبصرة ومعركة الأدلة
منذ أواخر التسعينيات بدأ أطباء في البصرة يبلّغون عما اعتقدوا أنه ارتفاع في سرطان الدم لدى الأطفال والتشوهات الخلقية. وبعد معركتي الفلوجة عام 2004، وصف أطباء الأطفال المحليون صورة مماثلة. وأفادت عدة دراسات لباحثين عراقيين وأجانب بمعدلات مرتفعة على نحو غير عادي من التشوهات والسرطان في الفلوجة. وطعن علماء آخرون فيها بسبب حجم العينات وطريقة اختيار العائلات والتعرضات السامة الكثيرة الأخرى في مدينة دمرتها الحرب، من الذخائر المحترقة إلى المعادن الثقيلة وحفر الحرق المكشوفة.
وفي 2013 نشرت وزارة الصحة العراقية ومنظمة الصحة العالمية ملخصاً لمسح أسري واسع لم يجد دليلاً واضحاً على معدلات غير طبيعية للتشوهات. وهاجم المنتقدون، ومنهم باحثون عملوا في الفلوجة، المنهجية، ولم تُنشر البيانات الكاملة قط. وهنا عَلِق العلم منذ أكثر من عقد: شك قوي، وبيانات رسمية ضعيفة، وغياب سجل مستقل طويل الأمد يحسم المسألة.
هذه الصورة مألوفة لمن يتابع النقاش في صربيا، حيث اصطدمت مسألة السرطان بعد 1999 بالجدار نفسه من السجلات الناقصة، وحيث نشرت Legal Smart عن تحاليل مخبرية لأنسجة أشخاص تعرضوا في البلقان.

مشكلة الخردة
إذا كان الدليل الطبي موضع خلاف، فإن أحد طرق التعرض ليس كذلك. فالدبابات والمركبات المدمرة لا تبقى حيث سقطت. في العراق جُرّ كثير منها إلى ساحات الخردة وقُطّع وبيع، غالباً على يد عمال فقراء وأحياناً أطفال، بلا حماية ولا معرفة بما يحمله المعدن. ووثّقت PAX هذه التجارة وحذّرت من أنها تنشر التلوث بعيداً عن ساحات القتال. ووجدت أيضاً يورانيوم منضباً أُطلق على مركبات خفيفة ومبانٍ وبنية تحتية مدنية، منها وزارة التخطيط في بغداد، ما يقوّض الرواية الرسمية بأنه استُخدم ضد الدروع الثقيلة فقط.
ولم تنشر الولايات المتحدة قط خريطة كاملة للأماكن التي أطلقت فيها اليورانيوم المنضب في العراق. ومن دون هذه الخريطة يصبح التنظيف تخميناً. وكما قال مؤلف تقرير PAX فيم زواينينبورغ: «ليس واضحاً بالضبط كم من المواقع لا يزال ملوثاً».

الجنود شهود آخرون
قد لا تأتي أقوى الأدلة من المدنيين العراقيين، الذين دُمّرت سجلاتهم مع مستشفياتهم، بل من الجنود الذين قاتلوا هناك. فمن بين نحو 697 ألف جندي أمريكي نُشروا في حرب الخليج عام 1991، أبلغ عشرات الآلاف لاحقاً عن أمراض مزمنة غير مفسَّرة، عُرفت بمتلازمة حرب الخليج؛ وكان اليورانيوم المنضب أحد المشتبه بهم إلى جانب غازات الأعصاب وحرائق النفط والأدوية التجريبية. وفي بريطانيا خلصت هيئة محلفين في تحقيق وفاة عام 2009 إلى أنه «من الأرجح» أن اليورانيوم المنضب تسبب في وفاة المحارب القديم ستيوارت دايسون، ورفضت وزارة الدفاع ذلك.
وفي إيطاليا ذهبت القصة أبعد. فقد كسب أكثر من 300 من المحاربين الإيطاليين القدامى الذين خدموا في البلقان وأصيبوا بالسرطان دعاوى ضد وزارة الدفاع، كما تشرح Legal Smart في تقرير عن متلازمة البلقان وكيف قيّمت المحاكم الإيطالية الأدلة.
أوروبا والشرق الأوسط وأمريكا: القذيفة نفسها وذاكرة مختلفة
أوروبا تعاملت مع اليورانيوم المنضب غالباً كمشكلة بلقانية انتهت عام 1999. لم تنتهِ. فقد زوّدت بريطانيا أوكرانيا عام 2023 بذخائر لدبابات تشالنجر 2 تحتوي على اليورانيوم المنضب، وتبعتها الولايات المتحدة بذخائر دبابات أبرامز، دون أي نظام علني لتسجيل أماكن إطلاقها. ويوضح تحليلنا عن ما يمكن لأوكرانيا أن تتعلمه من البلقان ما يعنيه ذلك للتنظيف المقبل.
الشرق الأوسط يحمل العبء الأثقل: العراق والكويت وأجزاء من سوريا حيث أطلقت طائرات أمريكية اليورانيوم المنضب عام 2015. ومع حرب جديدة حول إيران والخليج، عادت المنطقة مكاناً تختلط فيه الذخائر والنفط المشتعل والصناعة المدمرة في الهواء، كما وثّقنا بعد الضربات على الدوحة ودبي.
أمريكا أنفقت عقوداً ومليارات على أمراض محاربيها القدامى، بينما أكدت علناً أن اليورانيوم المنضب منخفض الخطورة. وفي الأمم المتحدة، في ديسمبر 2024، كانت واحدة من أربع دول فقط صوتت ضد قرار بشأن آثار أسلحة اليورانيوم المنضب، الذي اعتُمد بأغلبية 152 صوتاً، وفق سجل الأمم المتحدة.
ما الذي سيساعد فعلاً
الوضع القانوني لهذه الأسلحة موضع خلاف، كما تناولنا في هل اليورانيوم المنضب غير قانوني في القانون الدولي؟. لكن ثلاث خطوات عملية لا تتوقف على حسم هذا الجدل. على كل دولة تطلق اليورانيوم المنضب أن تنشر أماكن استخدامه، كما فعلت بريطانيا بعد 2003. ويجب إزالة الحطام والخردة الملوثة ومراقبتها قبل دخولها الأسواق المحلية. ويجب إنشاء سجلات مستقلة للسرطان والولادات حيث سقطت الذخائر، كي يُخاض النقاش المقبل بالبيانات لا بالشكوك.
انتهت الحرب في العراق منذ زمن بعيد. أما سجل ما خلّفته فبالكاد بدأ.
أسئلة شائعة
هل اليورانيوم المنضب مشع؟
نعم، بدرجة ضعيفة. يطلق أساساً أشعة ألفا وهو أقل إشعاعاً من اليورانيوم الطبيعي بنحو 40 في المئة. والقلق الأكبر هو التعرض الداخلي عبر الجسيمات المستنشقة أو المبتلعة، وسميته الكيميائية كمعدن ثقيل.
كم من اليورانيوم المنضب استُخدم في العراق؟
أكثر من 400 طن عامي 1991 و2003، معظمها من القوات الأمريكية، وفق PAX. وتقول بريطانيا إنها أطلقت أقل من ثلاثة أطنان.
هل التشوهات الخلقية في الفلوجة سببها اليورانيوم المنضب؟
أفادت دراسات بمعدلات مرتفعة، لكن مناهجها موضع خلاف وتسهم ملوثات حربية أخرى. ولم يجد مسح العراق ومنظمة الصحة العالمية عام 2013 زيادة واضحة. وتبقى المسألة مفتوحة.
أين يوجد التلوث في العراق؟
حددت السلطات العراقية بحلول 2006 ما بين 300 و365 موقعاً، معظمها حول البصرة، إضافة إلى ساحات خردة نشرت المعدن الملوث.
هل يُستخدم اليورانيوم المنضب في أوكرانيا؟
نعم. تزوّد بريطانيا والولايات المتحدة أوكرانيا منذ 2023 بذخائر دبابات تحتوي على اليورانيوم المنضب.
ما متلازمة حرب الخليج؟
مجموعة أعراض مزمنة غير مفسَّرة أبلغ عنها عشرات الآلاف من محاربي حرب 1991. واليورانيوم المنضب أحد العوامل المشتبه بها، لا سبباً مثبتاً.
المصادر
- PAX، In a State of Uncertainty: اليورانيوم المنضب في العراق (2013)
- قرار الأمم المتحدة 79/49، نتائج التصويت (2 ديسمبر 2024)
- Declassified UK، المحاكم تقر بخطر السرطان الذي ينكره الجيش (2023)
- The New Humanitarian، العراق: مستويات مرتفعة من التلوث الإشعاعي في الجنوب
- Truthout، تلوث اليورانيوم المنضب لا يزال ينتشر في العراق


